ابن قيم الجوزية
553
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
ترك العزم . فإن العزائم لم تورث أربابها ميراثا أكرم من وقوفهم على علل العزائم » . « معرفة علة العزم » هي نسبته إلى نفسه . فإذا عرف أن العزم مجرد فضل اللّه وإيثاره وتوفيقه ، وأنه ليس من العبد : فنسبته إياه بعد ذلك إلى نفسه علة قادحة فيه . فإذا لاح له لائح الكشف . وشهد توحيد الفضل ، علم حينئذ علة عزمه . وهو نسبته إياه إلى نفسه ، ورؤيته له . فإذا عرف هذه العلة عزم على التخلص منها بالعزم على التخلص من العزم . وهذا قد يسبق منه إلى الذهن تناقض وتدافع . فكيف يتخلص من العزم بالعزم ؟ ومراده : أن يعزم على التخلص من العزم المنسوب إليه بالعزم الذي هو مجرد فضل اللّه وموهبته . ولا تناقض حينئذ . فيتخلص من العزم بالعزم ، كما ينازع القدر بالقدر . وأما « الخلاص من ترك تكاليف العزم » . فهو أنه إذا تخلص من هذا العزم وتركه : بقيت عليه بقية . وهي رؤيته أنه قد ترك . فعليه التخلص من رؤية هذا الترك . فهو يطلب الآن الخلاص من رؤية ترك العزم . كما كان يطلب ترك العزم . قوله : « فإن العزائم لم تورث أربابها ميراثا أكرم من وقوفهم على علل العزائم » . مدار علل العزائم : على ثلاثة أشياء : أحدها : فتورها وضعفها . الثاني : عدم تجردها من الأغراض وشوائب الحظوظ . الثالث : رؤية العزائم وشهودها ، ونسبتها إلى أنفسهم . فإذا عرف هذه الثلاثة : عرف علل العزائم . واللّه المستعان . وهو سبحانه وتعالى أعلم . منزلة الإرادة ومن منازل « إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » منزلة « الإرادة » . قال اللّه تعالى : وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [ الأنعام : 52 ] وقال تعالى : وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى ( 19 ) إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى ( 20 ) وَلَسَوْفَ يَرْضى ( 21 ) [ الليل : الآيات 19 - 21 ] وقال تعالى : وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً ( 29 ) [ الأحزاب : 29 ] . وقد أشكل على المتكلمين تعلق الإرادة باللّه . وكون وجهه تعالى مرادا . قالوا : الإرادة لا تتعلق إلا بالحادث . وأما بالقديم : فلا . لأن القديم لا يراد . وأوّلوا « الإرادة » المتعلقة به بإرادة التقرب إليه . ثم إنه لا يتصور عندهم التقرب إليه . فأوّلوا ذلك بإرادة طاعته الموجبة لجزائه . هذا حاصل ما عندهم . وحجابهم في هذا الباب : غليظ كثيف من أغلظ الحجب وأكثفها . ولهذا تجدهم أهل قسوة . ولا تجد عليهم روح السلوك ، ولا بهجة المحبة . والطلب والإرادة عند أرباب السلوك : هي التجرد عن الإرادة . فلا تصح عندهم « الإرادة » إلا لمن لا إرادة له . ولا تظن أن هذا تناقض . بل هو محض الحق . واتفاق كلمة القوم عليه .